محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
31
الآداب الشرعية والمنح المرعية
الشك أولا . وقد ذكر الأصحاب أنه يجوز في القسامة العمل بالظن وأنه خير مؤكد باليمين ، وكذا لغو اليمين يجوز أن يحلف بالظن وكذا ما ظنه بخط أبيه من الدين يعمل به ويحلف ، وأنه تجوز الشهادة بالملك لمن بيده عين يتصرف فيها تصرف الملاك في المشهور كما لو شاهد سبب اليد مع بيع أو غيره مع احتمال كون البائع غير مالك والشهادة آكد من الخبر ، وأنه يخبر بدخول الوقت بعلم أو ظن وغير ذلك من المواضع وذلك دليل على أنه يخبر بعلم وظن خاصة وهذا أوضح ودليله مشهور كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم للأنصار الذين قتل منهم القتيل بخيبر : " يحلف خمسون منكم على رجل منهم " " 1 " قالوا : " أمر لم نشهده فكيف نحلف ؟ " الحديث . وحلف جابر باللّه إن ابن صياد الدجال فقال له ابن المنكدر : أتحلف باللّه ؟ قال : إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلم ينكره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وذلك في الصحيحين " 2 " وغيرهما ، وقد ظهر من هذا أنه لو أخبر بوجود شي يظنه فلم يكن جاز أنه كاذب على القول الأول ، ولو أخبر به وهو يظن عدمه فكان لم يحرم مع أنه صادق ، وأن قول الأصحاب رحمهم اللّه واللفظ للمغني لا كفارة في يمين على ماض لأنها تنقسم على ثلاثة أقسام ما هو صادق فيه فلا كفارة فيه إجماعا وما تعمد الكذب فيه فهو يمين الغموس وما يظنه حقا فيتبين بخلافه فلا كفارة ، وذكر في هذين القسمين رواية ظهر أنه لو شك أو حلف على خلاف ما يظنه فطابق أنه لا كفارة لأنه صادق وإن لم يجز إقدامه على اليمين لكن هل يدخل يمينه في خلاف ظنه في الغموس ؟ ظاهر كلامهم لا يدخل . وقد قال في المغني في مسألة الشهادة المذكورة : الظن يسمى علما قال تعالى : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ [ سورة الممتحنة : الآية 10 ] . وخرج من كلامهم إذا لم يطابق مع الشك فإنه ليس بصادق ولم يتعمد الكذب فلا ظن له فيقال : إن وجبت الكفارة فيما يظنه فتبين بخلافه فهنا أولى ، فظاهر تخصيص هذه الصورة بعدم الكفارة يقتضي الوجوب في غيرها لأن الظن هو المانع من الوجوب وإلا لوجبت لظاهر الآية . وقد علل في المغني عدم وجوبها في الظن بأنه لم يقصد المخالفة كالناسي وهذا لم يقصد المخالفة مع أن ظاهر قوله : لا كفارة في يمين على ماض أنه لا كفارة في هذه الصورة مع أنه لو أراد الحصر ووجوب الكفارة فيها لقال : إن كان صادقا فلا كفارة ، وإن لم يكن صادقا فإن تعمد الكذب أو ظن شيئا فبان بخلافة فلا كفارة ، وإلا وجبت إلا أن يدوم شكه فلا كفارة لأنه الأصل ، والأول أظهر . وقد جزم في المغني وغيره بهذا المعنى في الطلاق فقال : وإن قال : أنت طالق إن أخاك
--> ( 1 ) متفق عليه البخاري ( 3173 ) مسلم ( 1669 ) . ( 2 ) البخاري ( 7355 ) مسلم ( 2929 ) .